العيني
20
عمدة القاري
قول فاطمة ، رضي الله تعالى عنها ، حين توفي النبي ، صلى الله عليه وسلم ، وأبتاه ، من ربه ما أدناه ، وأبتاه إلى جبريل ننعاه ، وفي الصحيح أيضا في قصة الرجل الذي مات ودفن ليلاً فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أفلا كنتم آذنتموني ؟ ) فهذه الأحاديث دالة على جواز النعي . وقال النووي : إن النعي المنهي عنه إنما هو نعي الجاهلية ، قال : وكانت عادتهم إذا مات منهم شريف بعثوا راكبا إلى القبائل يقول : نعا يا فلان ، أو : يا نعاء العرب ، أي : هلكت العرب بهلاك فلان . ويكون مع النعي ضجيج وبكاء ، وأما إعلام أهل الميت وأصدقائه وقرابته فمستحب على ما ذكرناه آنفا . واعترض بأن حديث النجاشي لم يكن نعيا ، إنما كان مجرد إخبار بموته ، فسمى نعيا لشبهه به في كونه إعلاما ، وكذا القول في جعفر بن أبي طالب وأصحابه ، ورد بأن الأصل الحقيقة على أن حديث النجاشي أصح من حديث حذيفة وعبد الله . فإن قلت : قال ابن بطال : إنما نعي النبي ، صلى الله عليه وسلم ، النجاشي وصلى عليه لأنه كان عند بعض الناس على غير الإسلام فأراد إعلامهم بصحة إسلامه ( قلت ) نعيه صلى الله عليه وسلم جعفراً وأصحابه يرد ذلك ، وحمل بعضهم النهي على نعي الجاهلية المشتمل على ذكر المفاخر وشبهها . الوجه الثاني : فيه دليل على أنه لا يصلي على الجنازة في المسجد ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بموته في المسجد ثم خرج بالمسلمين إلى المصلى ، وهو مذهب أبي حنيفة ، أنه لا يصلى على ميت في مسجد جماعة ، وبه قال مالك وابن أبي ذئب ، وعند الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور : لا بأس بها إذا لم يخف تلويثه ، واحتجوا بما روي ( أن سعد بن أبي وقاص ، رضي الله تعالى عنه ، لما توفي أمرت عائشة ، رضي الله تعالى عنها ، بإدخال جنازته المسجد حتى صلى عليها أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قالت : هل عاب الناس علينا ما فعلنا ؟ فقيل لها : نعم ، فقالت : ما أسرع ما نسوا ، ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على جنازة سهيل بن البيضاء إلاَّ في المسجد ) . رواه مسلم ، واحتج أصحابنا من حديث ابن أبي ذئب عن صالح مولى التومة عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من صلى على ميت في المسجد فلا شيء له ) . رواه أبو داود بهذا اللفظ ، ورواه ابن ماجة ولفظه : ( فليس له شيء ) ، وقال الخطيب المحفوظ : ( فلا شيء له ، وروي ( فلا شيء عليه ) ، وروي : ( فلا أجر له ) . وقال ابن عبد البر : رواية : فلا أجر له ، خطأ فاحش ، والصحيح : فلا شيء له ، ورواه ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) بلفظ : ( فلا صلاة له ) . فإن قلت : روى ابن عدي في ( الكامل ) هذا الحديث وعده من منكرات صالح ، ثم أسند إلى شعبة أنه كان لا يروي عنه وينهى عنه ، وإلى مالك : لا تأخذوا منه شيئا فإنه ليس بثقة ، وإلى النسائي أنه قال فيه : ضعيف ، وقال ابن حبان في ( كتاب الضعفاء ) : اختلط بآخره ولم يتميز حديثه من قديمه فاستحق الترك ، ثم ذكر له هذا الحديث ، وقال : إنه باطل ، وكيف يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد صلى على سهيل بن البيضاء في المسجد . وقال البيهقي : صالح مختلف في عدالته ، كان مالك يجرحه ، وقال النووي : أجيب عن هذا بأجوبة . أحدها : أنه ضعيف لا يصح الاحتجاج به ، قال أحمد بن حنبل : هذا حديث ضعيف تفرد به صالح مولى التومة وهو ضعيف . الثاني : أن الذي في النسخ المشهورة المسموعة من سنن أبي داود : فلا شيء عليه ، فلا حجة فيه . الثالث : أن اللام فيه بمعنى : على ، كقوله تعالى : * ( وإن أسأتم فلها ) * ( الإسراء : 7 ) . أي : فعليها ، جمعا بين الأحاديث . قلت : الجواب عما قالوه من وجوه : الأول : أن أبا داود روى بهذا الحديث وسكت عنه ، فهذا دليل رضاه به ، وأنه صحيح عنده . الثاني : أن يحيى بن معين الذي هو فيصل في هذا الباب قال : صالح ثقة إلاَّ أنه اختلط قبل موته ، فمن سمع منه قبل ذلك فهو ثبت حجة ، وممن سمع منه قبل الاختلاط : ابن أبي ذئب هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب . الثالث : قال ابن عبد البر : منهم من يقبل عن صالح ما رواه عنه ابن أبي ذئب خاصة . الرابع : أن غالب ما ذكر فيه تحامل من ذلك قول النووي : إن الذي في النسخ المشهورة المسموعة من سنن أبي داود : فلا شيء عليه ، فإنه يرده قول الخطيب المحفوظ : ( فلا شيء له ) وقول السروجي ؛ وفي الاسرار ( فلا صلاة له ) وفي المرغيناني : ( فلا أجر له ) ولم يذكر ذلك في كتب الحديث يرده ما ذكرناه من رواية ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) : ( فلا صلاة له ) . وقال الخطيب : ( فلا أجر له ) فلعدم اطلاعه في هذا الموضع جازف فيه ، ومن تحاملهم جعل : اللام ، بمعنى : على ، بالتحكم من غير دليل ولا داع إلى ذلك ، ولا سيما أن المجاز عندهم ضروري لا يصار إليه إلاَّ عند الضرورة ، فلا ضررة ههنا . وأقوى ما يرد كلامه هذا رواية ابن أبي شيبة :